الفروق والفجوات بين الجنسين في شبكات التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت

    لا ريب أن عدم تحقيق المساواة بين الجنسين يعد واحدًا من أكبر العوائق التي تحول دون تحقيق أهداف التنمية البشرية على مستوى عالمي، فهو عبارة عن حالة من الظلم والتحيز لم تسلم منها أية دولة وإن اتخذت صورًا مختلفة، ولا شك أنها تحمل في طياتها عواقب وخيمة على المدى الطويل.

    nullلا يمكن تحقيق تنمية اقتصادية داخل مجتمع دون العمل على الحد من مظاهر انعدام المساواة بين الجنسين، ومن ثم يحظى هذا الموضوع بأهمية كبيرة عالميًا، يعززها الالتزام الأخلاقي بإتاحة الفرص التعليمية والاقتصادية لجميع أفراد المجتمع حتى يتسنى لهم إطلاق كامل قدراتهم البشرية.

    يتولى المنتدى الاقتصادي العالمي نشر تقرير سنوي بعنوان "التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين" لرصد مستوى عدم المساواة بين الجنسين في جميع أنحاء العالم ومتابعة ما طرأ من تغيرات في هذا الجانب داخل الدول، ويندرج تحت ذلك تحديد الآثار الإيجابية أو السلبية الناجمة عن السياسات التي تتخذها الحكومات لمواجهة هذه القضية.

    استلهم الدكتور انجمار وبر، كبير باحثين في معهد قطر لبحوث الحوسبة، النتائج التي توصل إليها هذا التقرير لتنفيذ مشروع بحثي بالتعاون مع زملائه للوقوف على الآثار الناجمة عن الفجوات القائمة بين الجنسين من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي في 45 دولة. يهدف المشروع البحثي الذي يحمل عنوان "الفروق والفجوات بين الجنسين في شبكات التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت" إلى استحداث نظام آلي يتتبع التغيّرات على مستوى التفرقة بين الجنسين في الفضاء الرقمي بمختلف أنحاء العالم.

    1000 Twitter Google.jpgاستغرق جمع المعلومات اللازمة للدراسة 5 أشهر، وشمل ذلك تقييم وتفسير كم كبير من البيانات الإلكترونية التي تم الحصول عليها من موقعي التواصل الاجتماعي تويتر وجوجل بلاس. أوضح الدكتور وبر طبيعة الدراسة قائلًا: "بادئ ذي بدء، أردنا تحليل بيانات التحقق القياسية غير الإلكترونية وتحديد ما إذا كانت هناك مجموعة بيانات محددة يمكن معايرة نموذجنا عليها، حيث كانت غايتنا من ذلك تحديد بيانات مكافئة لمجموعة البيانات الخاصة بنا لاستخدامها في تسويغ وتفسير نموذجنا، فكان التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين هو مجموعة البيانات غير الإلكترونية المكافئة. كما استعدنا بمزيج من بيانات موقع جوجل بلاس بجانب مجموعة ثانية من البيانات مستقاة من موقع تويتر لبناء مجموعة البيانات الإلكترونية الخاصة بدراستنا."

    تم تشكيل مجموعات البيانات الإلكترونية الخاصة بالدراسة من بيانات مستقاة من أكثر من ألف مستخدم لموقعي جوجل بلاس وتويتر من 45 بلدًا مختلفًا، وتم اختيار هذه البلدان بعد دراسة مستفيضة على حد تعبير الدكتور وبر، الذي أضاف قائلًا: "كي يتسنى اتخاذ قرارات سياسية حكيمة، يلزم أن تكون لدينا القدرة على متابعة ورصد السياسة الموضوعة ومردودها بداية من مراحل تطبيقها الأولى، وكان ذلك عادةً يتم عبر إجراء دراسات استقصائية مكلفة على السكان، إلا أنه يمكن تحقيق ذلك الآن عبر رصد سلوكيات مستخدمي شبكة الإنترنت. كان هذا دافعنا لإجراء الدراسة، وجرى اختيار البلدان الخاضعة للدراسة حسب توفر البيانات الخاصة بها. تطلعنا إلى إجراء الدراسة على نطاق عالمي، فقررنا عدم تحليل محتوى التغريدات لما ينطوي عليه ذلك من عوائق لغوية، حيث يتطلب تحليل محتوى التغريدات عبر 45 دولة مختلفة بلغات متعددة تكريس وقت طويل للغاية للقيام بهذه المهمة وتوفير فريق عمل أكبر بكثير. وإذا ما نحينا محتوى التغريدات جانبًا عند إجراء الدراسة، يتوفر لدينا مؤشرات أخرى لتحديد مستوى النشاط على شبكة الإنترنت، مثل عدد الأصدقاء على موقع تويتر، ومتوسط عدد تغريداتهم وإعادة التغريدات، وعدد المرات التي يتم فيها استخدام المحتوى الأصلي أو عدد مرات استخدام الوسوم "الهاشتاج،" أو التعرّف على مدى الفصل بين الجنسين في كل دولة وفقًا لنوع المستخدمين ومتابعيهم."

    QCRI graphic.jpgاستنادًا إلى المؤشرات المذكورة أعلاه، ابتكر الدكتور وبر وفريقه ما يطلقون عليه "الوضع الإلكتروني" لكل مستخدم، وذلك على أساس 3 عناصر: عدد متابعي المستخدم على موقع تويتر، ونظيرهم في موقع جوجل بلاس، وموضعه على الشبكة العالمية أو ترتيب صفحة المستخدم. فعلى سبيل المثال، وجود متابع واحد ذي شخصية مؤثرة مثل بيل جيتس يمنح المستخدم ترتيبًا أكبر لصفحته ويجعله أكثر تأثيرًا مقارنة بمستخدم لديه 100 متابع أقل شأنًا. وتوصل الدكتور وبر إلى نتائج غير متوقعة بعد الانتهاء من جمع البيانات حول مستخدمي تويتر وجوجل بلاس من أكثر من 45 دولة مختلفة، وهو ما علّق عليه قائلًا: "لقد توصلنا لنتائج مفاجئة، فعند وجود تفاوت كبير بين مستخدمي شبكة الإنترنت من الجنسين في دولة ما، مثلما هي الحال في اليمن وباكستان، تبين أن نشاط الإناث أعلى من نظيره لدى الذكور، حيث فاق لديهن عدد المتابعين مقارنة بمتوسطهم لدى الذكور على موقعي تويتر وجوجل بلاس، كما أنهن يتمتعن بترتيب أعلى لصفحاتهن."

    يعزو الدكتور وبر هذا الاتجاه المثير للدهشة لما يُطلق عليه "تأثير جاكي روبنسون،" أول لاعب إفريقي أمريكي في دوري البيسبول، وهو ما أوضحه قائلًا: "حتى يتمكن روبنسون من تحقيق النجاح في مجال طالما هيمن عليه ذوي البشرة البيضاء، تحتم عليه أن يكون شخصًا رياضيًا فذًا، لذلك نفترض أن السيناريو نفسه ينطبق على الدول المذكورة آنفًا، فوجود المرأة على شبكة الإنترنت في اليمن يمثل حدثًا استثنائيًا ويرجح معه أنها شخص على مستوى تعليمي جيد وتتمتع بمكانة اجتماعية بارزة. وفي حالة صحة هذه الفرضية، يتسنى لنا الاستنتاج بأن مثل هؤلاء النساء يستخدمن شبكات التواصل الاجتماعي للتواصل مع نظيراتهن من النساء في العقلية، ولتكريس مكانتهن على المستوى الاجتماعي والمهني باستخدام هذا الوسيط."

    qcri no.jpgفي الوقت الذي اتخذت فيه فرضية وبر منحى إيجابيًا بشكل كبير، فلم يستبعد في الوقت نفسه أن عدم المساواة بين الجنسين في شبكة الإنترنت في هذه البلدان قد يدفع كثيرًا من الرجال إلى متابعة النساء عبر شبكات التواصل الاجتماعي لندرة وجود النساء في بلدانهم على مثل هذه الشبكات، فيقول: "بطبيعة الحال لا نستطيع أن نستبعد هذه الفرضية الأخيرة، إلا أننا نرجح الفرضية الأولى. ولكن تعد الدراسة عمومًا خطوة ذات أهمية خاصة بالنسبة لنا، لا سيما وأن نتائجها جاءت على غير توقعاتنا. فلو أنك طرحت عليّ هذا السؤال قبل إجراء الدراسة لأجبتك بيقين أن الرجال في دول مثل باكستان يهيمنون على شبكات التواصل الاجتماعي، إلا أن الواقع يخالف ذلك. وعندما يتطرق الأمر لإمكانية الولوج على شبكة الإنترنت، ستجد اختلافات هائلة بين الجنسين في العديد من البلدان، وهو أمر يتطلب منا تسليط الضوء عليه بشكل مستمر. ولكن من منطلق النتائج التي توصلنا إليها، فيبدو أن الأشخاص الذين يستطيعون الولوج على شبكة الإنترنت أفضل اتصالًا وأكثر تأثيرًا، وهذا يمدنا بقضية أخرى مثيرة للاهتمام وتستحق الدراسة."

    ويود الدكتور وبر البناء على موضوع دراسته بإجراء مزيد من البحوث، ويعتقد بأن هذا البحث كان بإمكانه التوصل إلى نتائج أفضل بكثير لو تم إجراؤه على مجموعة أصغر من الدول وتحليل محتوى مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، وهو ما علق عليه قائلًا: "نود ابتكار نظام لتتبع مستوى التفاوت بين الجنسين وما يطرأ عليه من تغييرات، لا سيّما إذا قامت الدول بسن قوانين أو تدابير متعلقة باستخدام شبكة الإنترنت، فنود تحديد مدى تأثير ذلك على نوعية البيانات التي نجمعها، ومدى نجاح هذه السياسات. لا شك أن هذا أمر نود فعلًا القيام به، فنقوم بتتبع السياسات الفعالة وما تسفر عنه من تغيرات مع مرور الوقت."