مشروع مبتكر يمزج بين الطرز التقليدية ومفردات التنمية الحضرية المعاصرة

  • من:
  • تاريخ النشر: ٢١ أبريل ٢٠١٦
    تبذل مؤسسة قطر جهودًا دؤوبة من أجل الحفاظ على التراث الثقافي ونقله للأجيال المقبلة، وتتطابق أهدافها في هذا الصدد مع أهداف طلاب وباحثي كلية لندن الجامعية قطر، عضو مؤسسة قطر، الذين يسعون دائمًا لاستكشاف آفاق جديدة في هذا السياق، وقد آتت جهودهم أكلها مؤخرًا من خلال فوز فريق يضم في عضويته طالبًا وباحثًا من كلية لندن الجامعية قطر بجائزة الدوحة للتصميم 2016.
    null
    حمل المشروع الفائز اسم «مدينة اللعب» وضم فريقه كل من عمر كان أكسوي، طالب دكتوراه بكلية لندن الجامعية قطر، والباحثة جيزيم كهرمان، ودينا الطيراوي، مهندسة معمارية مقيمة بالدوحة، بالإضافة إلى أليكس سكوت وايتبي ومينج تونج من المملكة المتحدة.

    التقت صحيفة «تليجراف مؤسسة قطر» كلًا من أكسوي وجيزيم كهرمان، للتعرف على الرحلة التي قطعوها وبفضلها أصبح بوسعهم الآن الاستفادة من مخرجات مشروعهم وتقديم حلول تصميم مستوحاة منها في مشروعات حقيقية. تحدثت جيزيم كهرمان عن الظروف التي أفضت إلى تشكيل الفريق قائلةً: «كانت هناك معرفة سابقة تجمع بيني وبين عمر، إذ عملنا سابقًا على مشروع مشترك في تركيا، كما سنحت لنا الفرصة لإجراء مشروعنا البحثي هنا في مدينة الدوحة. لذا، كنا إلى حد ما نعمل كفريق بالفعل، إذ يتمحور اهتمام عمر حول علوم الآثار؛ فيما أهتم أنا بجوانب التصميم».

    كانت العروض التقديمية هي الطريقة التي لجأت إليها الجهات المنظمة لاختيار الفرق المشاركة، وهو ما تحدثت عنه جيزيم كهرمان قائلةً: «اهتممتُ بإعداد طلب المشاركة، وأدرجتُ اسم عمر كزميلي في الفريق. إثر ذلك توليتُ تجهيز العرض التقديمي كمهندسة معمارية، وألحقتُ به قائمة أعمالي وأنشطتي بالإضافة إلى سيرة ذاتية لي ولعمر، وقائمة مفصلة بالمشروعات التي سبق لنا العمل عليها سويًا».

    وفور تقديم طلب المشاركة، تم جمع أعضاء الفريق خلال شهر واحد فحسب وتحديد الأهداف التي سينشدها المشروع.
    تستهدف المسابقة، التي تمحورت هذا العام حول مفهوم «المدينة المفتوحة»، إيجاد حلول للقضايا والمشكلات التي تعتري مجالات المعمار والتصميم والتراث والتنمية الحضرية، وقد شجّعت المصممين المشاركين فيها على إجراء البحوث وشحذ أفكارهم ومواءمتها مع مفهوم «المدينة المفتوحة»، بما يؤدي إلى تقديم حلول تسهم في تحسين الحركة والانتقال داخل المدينة، مع ضمان الحفاظ على التراث المحلي والاهتمام بجعل الأبنية والمساحات العامة أكثر تناسبًا وتفاعلًا مع قاطنيها.
    5.jpg
    لجأ المشاركون في المسابقة إلى إجراء البحوث الخاصة بمقترحاتهم في مناطق الدوحة الجديدة وشارع الغانم بمدينة الدوحة، ووصل من بينهم 21 مشاركًا إلى المرحلة النهائية، من بينهم فريق أكسوي وكهرمان الذي توج بالجائزة. لم يكن أمام الفريق متسع من الوقت لإعداد خطط العمل، ومن ثم فقد تم الاعتماد بشكل أكبر على ما يتمتع به أعضاء الفريق من تجارب وخبرات سابقة للبدء في العمل ومواكبة الإطار الزمني.
    وحول مراحل المشروع الأولى تحدثت جيزيم كهرمان قائلةً: «لم تتوفر لدينا معلومات كثيرة حول طبيعة المشروع، بيد أن ما تيسر لنا من معلومات ساعدتنا في استيعاب أنه يدور حول سهولة الوصول والشمولية والتصميم. من بين المزايا التي استفدنا منها أننا كنا بالفعل منخرطين في أنشطة بحثية ذات صلة بمناطق المدينة المختلفة، ومن ثم فقد كنا نزور أماكن متنوعة وكنت أعكف بالفعل على إجراء مشروع بحثي حول الطراز المعماري التقليدي. لذا كان ذهني عامرًا بباقة متميزة من الأفكار قبل أن نبدأ بالفعل».

    أثناء إجراء العمل الميداني في المناطق المختارة، حاول أكسوي تجربة بعض الأساليب المستخدمة في إجراء الدراسات المسحية الأثرية، بالإضافة إلى أخذ عينات ممثلة لموقع العمل وزيارة بعض الأماكن المحددة، وهو ما تحدّث عنه قائلًا: «أعتقد أنها كانت محاولة مثمرة، حيث أعطتنا فكرة عامة عن المشهد الثقافي والمعماري والتراثي. تمكّنا من تسجيل بعض القطاعات، بقدر ما تسنى لنا خلال ثلاثة أيام عمل، ثم توصلنا إلى فكرة تعتمد بشكل كبير على الشوارع المختلفة». كان من المهم للغاية بالنسبة للفريق أن يتم توظيف قدرات ومهارات كل عضو ووضعها في المكان المناسب، وقد أسهم تنوع الثقافات التي ينتمي إليها أعضاء الفريق وتحدثهم بأكثر من لغة في تحسين مستوى التواصل مع مجتمع مدينة الدوحة وإعداد خطط تحقق آثارًا واسعة النطاق.

    أضافت جيزيم كهرمان قائلةً: «لم نركز جهودنا على شارع واحد فحسب، إذ أردنا أن تكون خطتنا قابلة للتطبيق على مستوى مدينة الدوحة بكاملها. استطعنا التواصل مع الأفراد الذين يتحدثون اللغة العربية بفضل دينا الطيراوي، التي تجيد الحديث بها، وتعيش في الدوحة منذ فترة طويلة، كما أن تجربتها الدراسية في المدارس القطرية كانت مفيدة للغاية لنا في ظل اتساع نطاق مشروعنا ليشمل المدارس».
    2.jpg
    أفضى تركيز الفريق جهوده على المجتمع الأصغر سنًا، لا سيّما الأطفال، إلى ابتكار مفهوم «مدينة اللعب» الذي يدور حول توفير مساحات لتصبح فضاءً للتسلية والاستمتاع بالنسبة للعائلات وأطفالها.

    تابعت جيزيم كهرمان، حديثها قائلةً: «لاحظنا خلال عملنا الميداني أن كثيرًا من المنازل ذات الطراز التراثي لا زالت قائمة وموجودة، بالرغم من أننا شهدنا مرحلة التحول التي مرت بها المنطقة، من واقع أننا قضينا وقتًا طويلًا هنا. رأينا كيف حلت المباني الشاهقة مكان الفضاءات التي كانت يومًا متاحة للأطفال ليمارسوا فيها أنشطتهم وألعابهم. في الوقت الحالي يستقل الناس السيارات للذهاب إلى الحدائق، إذ إنها ليست قريبة منهم بدرجة كافية للذهاب إليها سيرًا على الأقدام، وهذا تحديدًا ما نود تغييره».

    حالف الحظ أعضاء الفريق كثيرًا، إذ تسنت لهم الفرصة للحديث مع أفراد يعيشون بالمناطق المختارة منذ فترة طويلة، ومن بينهم أفراد من عائلة الغانم الذين أعطوا الفريق لمحة عمّا كانت عليه الأمور في سبعينات القرن الماضي.

    قالت جيزيم كهرمان: «كانت الذكريات التي يحملها هؤلاء الأفراد عن مناطقهم في الماضي مختلفة تمامًا عما هو موجود الآن، إذ كان بوسعهم السير واللعب في هذه الشوارع والاستمتاع بتجربة حسية مختلفة. أمور مثل هذه لا يمكن رؤيتها كثيرًا في وقتنا الحاضر، ولذا فإن فكرتنا تدور حول توفير المرافق التي تساعد في القيام بهذه الأمور، لا أن نستعيد الماضي، بل أن نستحضر هذه القيم ونضع لها مفهومًا جديدًا. راق لنا كثيرًا السير في هذه الشوارع، ونود أن نحافظ على هذه الأجواء وندعم استمرارها».

    أجرى الفريق مشروعه البحثي في منطقة مشيرب، وهي منطقة حيوية للغاية تعد نقطة التقاء للطرز التقليدية والأنماط المعمارية العصرية، حيث تم انتقاء عناصر محددة ليتم الاستعانة بها في التصورات العصرية التي يطرحها الفريق.اختتم أكسوي قائلًا: «في وقتنا الحالي ينتقل الناس إلى وجهاتهم بالسيارة ويغادرون فيها، ليست هناك مساحة حقيقية للتفاعل أو التواصل. أما في الشوارع القديمة فقد كان هناك قدر كبير من الثراء الثقافي والتفاعل بين الأفراد الذين ينتمون إلى جنسيات مختلفة وتركوا بصمة في المكان. كان الاندماج بين القطريين وغيرهم من أبناء الثقافات الأخرى هو ما أوجد مجتمعًا في هذه المنطقة. قد تكون المباني الأثرية جميلة وذات طابع خاص، غير أنه ليس بوسعك أن تتعرف من خلالها على حياة العامة وتاريخ الأفراد العاديين».

    ارتكز مشروع «مدينة اللعب» على رؤية تضع الصحة والتعليم والحياة الأسرية في صميم الأسس التي تبنى عليها المدن، وهو ما كنا عاملًا رئيسًا في فوزه بجائزة الدوحة للتصميم 2016، التي تعد مشروعًا فريدًا يجمع تحت مظلته مشاركين من منطقة الخليج وأقرانهم من المملكة المتحدة ليتعاونوا سويًا من أجل طرح تصوراتهم أثناء الإقامة بمدينة الدوحة.